ابن رشد
127
تهافت التهافت
بها لأحد إقناع ، وإنما سبيلها أن يحصل بها اليقين لمن يسلك في معرفتها سبيل اليقين . مثال ذلك : إنه لو قيل للجمهور ولمن هو أرفع رتبة في الكلام منهم أن الشمس التي تظهر للعين في قدر قدم هي نحو من مائة وسبعين ضعفا من الأرض ، لقالوا : هذا من المستحيل ، ولكان من يتخيل ذلك عندهم كالنائم ، ولعسر علينا إقناعهم في هذا المعنى بمقدمات يقع لهم التصديق بها من قرب في زمان يسير ، بل لا سبيل أن يتحصل مثل هذا العلم إلا بطريق البرهان لمن سلك طريق البرهان . وإذا كان هذا موجودا في مطالب الأمور الهندسية ، وبالجملة في الأمور التعاليمية فأحرى أن يكون ذلك موجودا في العلوم الإلهية ؛ أعني ما إذا صرح به للجمهور كان شنيعا وقبيحا في بادئ الرأي وشبيها بالأحلام ، إذ ليس يوجد في هذا النوع من المعارف مقدمات محمودة يتأتى من قبلها الإقناع فيها للعقل الذي في بادئ الرأي ؛ أعني عقل الجمهور فإنه يشبه أن يكون ما يظهر بآخره للعقل هو عنده من قبيل المستحيل في أول أمره . وليس يعرض هذا في الأمور العلمية ، بل وفي العملية ، ولذلك لو قدرنا أن صناعة من الصنائع قد دثرت ثم توهم وجودها ، لكان في بادئ الرأي من المستحيل ، ولذلك يرى كثير من الناس أن هذه الصنائع هي من مدارك ليست بإنسانية ، فبعضهم ينسبها إلى الجن ، وبعضهم ينسبها إلى الأنبياء ، حتى لقد زعم ابن حزم أن أقوى الأدلة على وجود النبوة هو وجود هذه الصنائع . وإذا كان هذا هكذا فينبغي لمن آثر طلب الحق إذا وجد قولا شنيعا ولم يجد مقدمات محمودة تزيل عنه تلك الشنعة ألا يعتقد أن ذلك القول باطل ، وأن يطلبه من الطريق الذي زعم المدعي له أنه يوقف منها عليه ، ويستعمل في تعلم ذلك من طول الزمان والترتيب ما تقتضيه طبيعة ذلك الأمر المتعلم ، وإذا كان هذا موجودا في غير العلوم الإلهية فهذا المعنى في العلوم الإلهية أحرى أن يكون موجودا لعبد هذه العلوم عن العلوم التي في بادئ الرأي . وإذا كان هذا هكذا فينبغي أن يعلم أنه ليس يمكن أن يقع في هذا الجنس مخاطبة جدلية مثل ما وقعت في سائر المسائل ، والجدل نافع مباح في سائر العلوم ، ومحرم في هذا العلم ، ولذلك لجأ أكثر الناظرين في هذا العلم إلى أن هذا كله من باب التكليف في الجوهر الذي لا تكيفه العقول ، لأنه لو كيفته لكان العقل الأزلي والكائن الفاسد واحدا ، وإذا كان هذا هكذا فالله يأخذ الحق ممن تكلم في هذه